الثلاثاء، 26 مايو 2009

الدين أفيــــون الشعوب

-
ما هو تحليلك لمقولة كارل ماركس الدين أفيون الشعوب.

لكلّ مقولة ظروفها التي قيلت فيها.
فكارل ماركس شأنه شأن أي مفكّر آخر، لا يمكن أن يكون كلّ ما يقوله صالحا لكلّ زمان ومكان، فإن كان في عهده الدين هو سلاح الطبقات الإقطاعية، من خلاله تبرّر الاضطهاد والإستغلال، حيث تصوّر البؤس والشقاء كإبتلاء من الله، وأن الناس ليس لهم سوى الرضا عن ما كتبه الله على جبينهم.. وأن السعادة لا توجد إلاّ في الآخرة.. وأن من سيخلّص البشرية من العبودية ليس نضالهم ضد من يستعبدهم وإنما هو المسيح أو المهدي الذي سيظهر في آخر الزمان.. إلى آخر المعزوفة..
أقول هذا الكلام، لأن في هذا العصر على الأقل، رأيت بأمّ عيني كيف ساهم الدين في بعض المناطق من العالم في تأجيج نضال بعض القوى ضد الإحتلال ومنها العـــراق.
فالذي يلبس حزاما ناسفا وهو مدفوع بشحنة دينية ويفجّر ذاته في تجمّع لقوات العدو، فهذا إن كان مخدّرا بالدين، فنعمَ هذا التخدير اللذيذ..
وهذا لا يعني أن الدين لم يعد أفيونا لتخدير الشعوب، فذات هذا العراق مثلا تجد فيه من يسوّق للإحتلال بإسم الدين، وهي مجموعة من الأحزاب وليست من طائفة واحدة: حزب الدعوة، المجلس الأعلى، الحزب الإسلامي، السيستاني...
ثمّ أن الدين حمّال أوجه (ليس القرآن فقط، فحتى الكتب الأخرى كذلك)، فالذي يقاوم يقول لك: وأعدّوا لهم ما إستطعتم..، والذي يساوم يقول لك: وإذا جنحوا للسّلم فأجنح لها..
المهم،
في هذا العصر لم يعد الدين فقط يمكن أن يكون أفيونا، فحتى العقلانية والديمقراطية والعلمانية والإشتراكية والشيوعية.. يمكن أن تكون أفيونا، والأمثلة كثيرة: فكثيرا من الأحزاب الشيوعية مثلا تجنّد أتباعها للدفاع عن الإحتلال وللدفاع عن الهيمنة الأمريكية في كلّ مناطق العالم بدعوى محاربة الإرهاب، وكأنّ أمريكا ليست أكبر قوّة إرهابية في العالم.
أكيد، هناك من سيقول أن هذه الأحزاب لا علاقة لها بالشيوعية، والأكيد أيضا أن هناك من سيقول أن الأحزاب الدينية لا علاقة لها بالدين..
لذلك، وبالنسبة لي لم يعد الفرز يعتمد على الموقف الكلاسيكي (شيوعي، إسلامي، قومي،..) وإنما الفرز الذي أجده مناسبا هو: وطني/عميل.

-

الأربعاء، 18 مارس 2009

السماء.. تحتنا أيضا !

-
كلّنا يعرف، تمام المعرفة، أنّ سيدنا عزرائيل محروم من جميع العطل، المدرسية والوطنية والدينية التي سنها البشر، بعد أن غادروا الفردوس، مطرودين، وفي أفواههم مذاق مرّ لتفاحة، كانت قبل ذلك بقليل، حلوة.
إنّه مشغول بالعمل ليل نهار. يوزّع الموت، بالعدل والقسطاس، على الحيوان والجنّة والناس. لا يفرّق بين أرواح عفنة وأخرى طاهرة، هذا إذا أمكن له العثور على أرواح طاهرة، بطبيعة الحال، بعد أن فعلت الثقافة فعلها في بني البشر.
ومع أنّنا نعرف ذلك بالقدر الذي نجهل به مصائرنا، فإنّ أغلبنا يتلكّأ في الاستجابة لدعوته لنا بمغادرة الحياة على الفور، وكأنّ للرجل وقتا، شبيها بوقتنا المبدّد، يسمح له بتكرار الكلمات وتمطيط الجمل وتنغيم الحروف على طريقة الخطباء. وما أكثرهم في جوامع اللغة العربية وتجمّعاتها وجامعاتها.. بل ما أكثرهم حتّى في المفرد والمثنّى.. وفي الجسد الواحد وظلّه الواحد.
لكأنّ أيّاما إضافيّة أو شهورا هزيلة تنضاف إلى وجودنا الحيواني، على سبيل التوسّل لملك الموت، كافية للتدليل القطعي على أنّ الحياة، ذاتها، قد شرفت بنا ولو لدقيقة واحدة طيلة حياتها كلّها.
لكأنّ ما خسرناه بالإضراب عن أداء واجباتنا، لمّا كانت الحياة ممكنة، سوف نربحه بالندم على وقت ثمين، تمّت إتاحته لنا، فلم نستطع أن نحوّله لا إلى زمن ولا إلى تاريخ !!
في مثل حالتنا، نحن الفرادى داخل لغة تجمعنا بقوة النحو والسيف، لغة لا يهمّها أن تتذكر المستقبل بقدر ما يهمّها التباهي بما تتصوّره أبديّا في منجزات ذكور ماتوا، مقتتلين ومقتولين، منذ مئات السنين، دون أن يتركوا لعبدتهم حرّية الفرار من صحراء الجنّة الخضراء باتجاه جنان جهنّم الحمراء من باب تفعيل البنية التحتيّة للسماء :
السماء الواقعة تحتنا أيضا على عكس ما يظنّ أربعة أخماس العموديّين ومن جاورهم من أفقيّين فخورين بأن يكون لهم ربّ، لغوي، سرّي، غامض، لا يصلح لأن يكون مادّة للتأويل وذريعة لتصفية الحسابات بين البشر...
في مثل حالتنا، نحن الذين خصصنا، من دون أنظمة الدنيا قاطبة، بأنظمة حكم سياسية وراثية، يطيب لي، من هنا فصاعدا، أن أسمّيها أنظمة جنسية، لكونها أغارت على تقاليد الممالك والإمارات والسلطنات وأدخلتها، عنوة، في قاموس الجمهوريات، بحيث صار الفعل الجنسي، باعتباره إدخال شيء ذي حجم وكتلة في شيء مجوّف لزج، عن طريق الزواج أو المتعة، هو الآلية الصدفويّة الوحيدة للتربّع على سدّة الحكم حتى الموت أو الاغتيال أو الإقالة أو الانتحار أو الإعدام... أو الهروب مع السيدة الأولى باتّجاه حاكم مجاور يستعدّ، هو الآخر، للهروب مع من بقي حيّا من عشيرته ونسله.
وفي هذا المجال علينا أن نفترض أن خيانات زوجيّة عديدة قد تمّت، بالفعل، بين الأزواج والزيجات الحاكمة في منطقتنا، إذا ما أردنا، ومن باب التسلية، إقامة الدليل على أنّنا غير محكومين بأنظمة وراثيّة تناسليّة بالمعنى الجنسيّ الناتج، حصريّا، عن إدخال شيء في شيء أو عن تداخل شيئين في بعضهما البعض.
في مثل حالتنا، نحن الذين أرغمنا الله، على كتابة آخر رسائله، وقتلناه قبل أن يقتله فريدريك نيتشة، وتنسّبه النسبيّة.. ثم زدنا.. فقايضنا جوهر الحرّية بأسمال الحقيقة إلى حدّ لم يعد ممكنا معه الوصول إلى ديمقراطيّة لاعن طريق الأنظمة الحاكمة ولاعن طريق المعارضة الحالمة ولاعن طريق الأصوليّين التكفيريين بطبيعتهم ولا عن طريق التبشير والاحتلال سواء أكان مباشرا أم غير مباشر.
في مثل حالتنا، وحتّى لا يطول هذا الاستطراد الذي عليه أن يطول، لأسباب تكرارية، يتطلّبها إيقاع أرواحنا المنتحبة، وحتّى لا نعطّل السيد عزرائيل عن أداء الوظيفة الإداريّة الوحيدة الموكولة له، يتعيّن علينا أن نستثمر تطيّرنا من الحياة ونبادر ببيع ما تبقّى سليما من أعضائنا (قلوب..كلى..أكفّ..ألسنة..مُقل..إلخ) إلى من لديهم رغبة في مزيد الحياة.
وأيّ عجب في الأمر ما دمنا سنقبض أموالا طائلة، مقابل التنازل عن أجسادنا، وسنوفّر على أبنائنا عقوبة أن يكونوا مثلنا وأن يكون، داخل أجسادهم، أعضاء تذكّرهم بنا.
- محمد الصغير أولاد أحمد

الأحد، 4 يناير 2009

Kwark الناصر خليل



سلمت أياديكم أيها البواسل و حيث ثقفتموهم.

الرفيق العزيز خليل،
يقول الشاعر محمود درويش : أرضنا ليست بعاقر، وفعلا، وبعد سقوط جدار برلين وانهيار جل حركات التحرر الوطني، ها أن البشرية، وتحديدا الشعب العراقي، يـُنتج أعظم حركة تحرر وطني في العالم. فالإمبريالية الأمريكية التي خرجت من حربها الباردة منتصرة توهّمت أنها قادرة على مسك رقاب الشعوب بقبضة من حديد، أقول توهـّمت لأن إنتصارها على المعسكر الشرقي لم يكن إنتصارا إثر مواجهة عسكرية وإنما إثر إنسحاب الخصم بفعل تناقضاته الداخلية.إنتصارات أمريكا هو وهم، هذا الوهم أنتجته آلتها الإعلامية، فالإعلام وما أدراك ما الإعلام، هذا هو سلاحها، وقوّتها تكمن في التضليل.أمريكا لم تدخل في أي مواجهة عسكرية مباشرة وإنتصرت. في كلّ معاركها تدفع بعملائها إلى المحرقة وتجعلهم في الواجهة للتتصدّر هي الواجهة الإعلامية. في الفيتنام إنهزمت لأنها وجدت من يواجهها ويكيل لها الصاع صاعين. في الحربين العالميتين كانت تدفع ببريطانيا وبفرنسا وببقية دول الحلفاء، وما أن تشارف الحرب على الإنتهاء حتى تتدخل لتسند وتجني. في العراق هزيمتها من تحصيل الحاصل لأنها وجدت شباب يعشق الكرامة قبل الدولار. فإن كانت أمريكا المتقدّمة جدّا تفقد صوابها يوميّا على يد العرب المتخلفون جدّا، فعلى عشاق أمريكا أن يراجعوا مداركهم العقلية قبل أن يراجعوا حساباتهم البنكيّة. فالإمبريالية الأمريكية التي تسلـّحت بهذا الوهم مندفعة نحو آبار البترول العراقية، كانت تُمنـّي النفس بوليمة سهلة تُمكـّنها من تمويل تمدّدها العسكري في باقي أصقاع العالم، فالعراق يعوم على بحر من البترول، وهذا البترول لو قدّم لها الولاء والطاعة سيبايعها العالم على رقابه.في التاسع من أفريل تحوّلت بغداد إلى رماد، وكما يقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي مخاطبا الإستعمار الفرنسي : "حذار فتحت الرماد اللهيب..."، وفعلا، ما أن داست حوافر الأمريكان أرض العراق حتى إحترقت بلهيب المقاومة الوطنية العراقية. ويضيف الشابي: إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةْ فلا بدّ أن يستجيبَ القدرْ، وأضيف : أيّ بلد يتعرض إلى إستعمار عسكري مباشر يفرز مقاومة مسلحة، طال الزمن أو قصر.
العراق العظيم، وحدة قيس الزمن فيه ليست السنة أو الشهر ولا حتى اليوم، إنها الأنغشتروم من الثانية. ما أن هلّ الإستعمار حتى إستقبلته المقاومة بالورود من الوريد إلى الوريد، تلك إرادة الشعوب وإرادتها يخرّ لها القدر.
وقديما قال نيوتن : الفعل يولـّد ردّ الفعل، وحديثا تؤكد المقاومة إنها الإبنة الشرعية لنظرية أبو الميكانيكا، لكن الأغبياء عشاق الشعوذة يتحفوننا بنظرية غريبة مفادها أن الفعل لا يولـّد ردّ فعل إن كان هذا الفعل أمريكيّا، فأبشروا يا بشر، فالأمركة تجعل العلم يحتضر.فسلمت اياديكم ايها البواسل و حيث ثقفثموهم.

تحياتي

الخميس، 27 نوفمبر 2008

الدين.. أيديولوجيا

-
الدين هو أيديولوجيا كبقية الأيديولوجيات، أي أنه مجموعة أفكار متناسقة أو منظومة فكرية لها رؤية تفسّر وتبرّر وتعطي إجابات من زاوية معيّنة للظواهر الاجتماعية والطبيعيّة. وعلى عكس ما يعتقد البعض، فالأيديولوجية لا تخدم مصالح كل البشر، بل مجموعة معيّنة فقط. فالليبرالية وهي أيديولوجية الطبقات الرأسمالية تخدم مصالح الرأسماليين، والاشتراكية وهي أيديولوجية الكادحين تخدم مصالح الطبقة العاملة، والدين الإسلامي كأيديولوجيا، خدم مصالح العديد من الطبقات كالإقطاعيين والتجار ...لكن هناك تساؤلات مشروعة، أهمها : كيف يخدم الدين الإسلامي مصالح الإقطاعيين والتجار والحال أنه وفي بداية ظهوره بدأ كثورة ضد أسياد قريش ودافع عن العبيد وقاوم الظلم...؟ لو عدنا إلى أوروبا مثلا، سنجد أن الدين المسيحي كان حصنا للكنيسة الإقطاعية، واجهت به ومن خلاله القوى البرجوازية الصاعدة التي رفعت شعار الحرية والإخاء والمساواة والعدالة... بهذه الشعارات تمكنت البرجوازية من تجييش كل الطبقات الشعبية (عمال، فلاحين، تجار، صناعيين، مثقفين، عاطلين، ...) وقيادتها للتصدّي للطبقات الإقطاعية وللكنيسة. ثمّ أن البرجوازية وبإستلائها على السلطة السياسية، أفرغت كل شعاراتها من مضمونها الثوري والتقدمي، فأصبحت الحريّة هي حريّة رأس المال في إكتساح كل شبر من الارض به مواد أولية ويد عاملة وإمكانية إنتاج (دعه يعمل، دعه يمضي، دعه يمر)، وكذلك الإخاء والمساواة والعدالة وُظّفت وفُسّرت لصالح الطبقات الرأسمالية. وتصالحت البرجوازية مع الكنيسة أو قل أصبحت الكنيسة مؤسسة من مؤسسات الدولة البرجوازية، وبهذه المصالحة غيّرت الكنيسة سلوكها وأحكامها لتتلاءم مع نواميس المجتمع الرأسمالي (الرّبى مثلا الذي كانت ترفضه، قبلت به لأنه المحرّك الأساسي للبنوك). وفي كلمة أخيرة، الأيديولوجية تولد وتنطلق وتدخل للميدان كثورة أو كدافع للثورة، فتفعل فعلها في تغيير الواقع لما هو أفضل. وعندما تصل الطبقة (التي تحمل هذه الأيديولوجيا) للسلطة وتستوي في جهاز دولة، تأخذ هذه الأيديولوجيا في التراجع وفي تبرير القمع الذي كانت تناهضه. والدين الإسلامي كأيديولوجيا، لم يشذ عن هذه القاعدة، فقد بدأ كثورة إستقطب فقراء الجزيرة ومعدميها، وناهض الأسياد مالكي الأرض والعبيد وكبار التجار... فلأول مرّة في تاريخ العرب دخل عنصر آخر فعّال في صنع التاريخ وهو عنصر الفقراء والمستضعفين الذين دخلوا المعركة بكلّ ثقلهم العددي وبكل ثقل بؤسهم وأهميّة دورهم، وبذلك ساهموا في تسديد ضربة عنيفة إلى منطق البنية القبلية التي كانت تمرّ بعملية تفكك عميق، ووضعوا حاجزا ولو إلى حين، أمام مطامح التجار في السلطة عن طريق بني أميّة، لأن الأمور في ظل الثورة لم تعد تسير وفق عصبية المال والقبيلة، وإنما تسير وفق عصبية جديدة، هي عصبيّة الثورة المتجسدة في جماعة المؤمنين التي تضم أعدادا كبيرة من هؤلاء المستضعفين، وهو ما تعكسه عدّة آيات مكيّة من القرآن قبل الهجرة، وهي تعبّر فعلا عن شعارات الثورة، فكانت تهاجم أثرياء التجار بكلّ عنف وتتوعدهم بالجحيم وبئس المصير: "ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده"، "تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب"، ... ثمّ وعندما بدأ الإسلام يتأسس كدولة أخذ يستقطب الأغنياء (أبو سفيان...)، وعندها بدأت الكفة تميل تدريجيّا من الثورة على الواقع إلى تبرير الواقع، من التبشير بواقع أفضل إلى طاعة أولي الأمر... وهكذا، أصبح الإسلام يمثل أيديولوجية التجار الذين أخذوا يمدون سلطانهم على كامل الجزيرة العربية وبقية مناطق العالم.
-

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

كـــارل مـــاركس!

-
كلَّما عصفت بالرأسمالية أزمة اقتصادية حادة، كأزمتها الآن، والتي تشبه "حرباً عالمية ثالثة" سلاحها الاقتصاد، التمع في ظلمة النسيان، التي تشغل دائماً حيزاً من ذاكراتنا، اسم شخص واحد هو كارل ماركس، فلا مهرب لذاكرتنا من قانون "تداعي المعاني" لديفيد هيوم، والذي كثيراً ما نعبِّر عنه بالقول "الشيء بالشيء يُذْكَر"، وكأنَّ ذِكْر أحد الخصمين يستدعي ذِكْر الآخر.وعلى سبيل التذكير، وإن نفعت الذكرى، نقول، أو يجب أن نقول حتى يصبح ممكناً تمييز خيوط الحقيقة من خيوط الوهم، إنَّ ماركس ليس الاتحاد السوفياتي، الذي حَكَمَ عليه التاريخ بالموت، وإنَّ الاتحاد السوفياتي ليس ماركس، الذي استمدَّ حياةً من موت ما سمِّي "النظام الاشتراكي (أو الشيوعي)"، ولو أبى "اليتامى الحُمْر" الاعتراف بهذه الحقيقة، التي تنمو ضياءً يوماً بعد يوم.الرأسمالية هي التي ولدت ماركس، فاستولد من واقعها الاقتصادي ـ الاجتماعي فكراً، بسطه في مؤلَّفه الشهير "رأس المال"، فوعت وأدركت ذاتها على خير وجه.إنَّها مصادفة صرف أن يظهر هذا الرجل في المكان الذي ظهر فيه (ألمانيا) وفي الزمان الذي ظهر فيه، وأن يكون يهودياً، وأن يكون اسمه كارل ماركس، وأن..، وأن..؛ ولكنها ضرورة تاريخية أن يظهر مثيلاً له في الفكر، فلو لم يظهر ماركس نفسه لأنتجت الضرورة التاريخية مثيلاً له، يقوم مقامه، فالمهمَّات التاريخية العظيمة هي التي تصنع الرجال العظام، وكأنَّها تحبل بهم.في البدء، تجاهلوه، ثمَّ سخروا منه، ثمَّ حاربوه، ثمَّ ينتصر (أقول "ينتصر" ولا أقول "انتصر"). لقد نعوه عشرات، بل مئات، بل آلاف المرات، وطبعوا، في العداء له، ما يفوق ما طبعه "مجلس الاحتياط الفدرالي" من "الورقة الخضراء" أضعافاً مضاعفة؛ ومع ذلك ظلوا في حوار أبدي معه، وكأنَّ عصره وفكره لم ينتهيا بعد!حتى أولئك "الحُمْر"، والذين "صنَّموا" ماركس وفكره حتى قال على الملأ "إنِّي لستُ ماركسياً"، تحوَّلوا جميعاً إلى بطرس، فأنكروه ثلاث مرَّات إذ تناهى إلى أسماعهم نبأ زوال الاتحاد السوفياتي، وكأنَّ انهيار بناية على رؤوس سكانها هو خير دليل على أنَّ علم الهندسة كان كومة من الأخطاء!ولو كان ماركس على قيد الحياة عندما كان الاتحاد السوفياتي حيَّاً يُرْزق، ويُصوِّر نفسه للعالم على أنَّه الجنَّة على الأرض لقال، هذه المرة، وعلى الملأ، "إنِّي لستُ شيوعياً"، فلو كان "النظام الشيوعي" في الاتحاد السوفياتي وغيره هو ذاته "المجتمع الجديد" الذي بشَّر به ماركس، ودعا إليه، لدعا للرأسمالية بطول البقاء!ماركس كتب مجلَّدات في النظام الرأسمالي؛ ولكنه لم يكتب سوى بضعة سطور في النظام الاشتراكي؛ لأنَّه كان عدوُّاً لدوداً لكل فكر طوباوي؛ ولأنَّه لم يفهم المجتمع الجديد الاشتراكي إلاَّ بوصفه أحد خيارين تاريخيين، فالرأسمالية، على ما قال وتوقَّع، إمَّا أن تتقدَّم نحو الاشتراكية وإمَّا أن تتقهقر، ومعها البشرية كافة، إلى عهود الوحشية، التي إنْ أردتم معرفة ماهيتها، وإدراك كنهها، فانظروا بالعين المجرَّدة من الأوهام إلى ما يسمُّونه "الرأسمالية الجديدة"، أو "الليبرالية الجديدة"، مع شريعتها، التي تسمى "نهاية التاريخ".سقوط الاتحاد السوفياتي ظنُّوه سقوطاً لماركس، فقرَّروا إذلال هذا الرجل مع فكره بما يشبه الصفح عنه، فشرعوا يتساهلون في معاملة كل من يَذْكُر اسمه، أو يقرأ له، أو يكتب عنه، أو ينادي بأفكاره، وينحاز إليها، وكأنَّ الرعب الذي ألقاه في قلوبهم قد ولَّى وانتهى.أمَّا قبل ذلك، أي عندما كان هذا الرعب يستبدُّ بهم، فكانت عبارة "اكرهوا ماركس!" هي جوهر وقوام خطابهم السياسي والإعلامي والفكري، فهو، في الصورة التي أظهروه فيها، الملحد الكافر، وهو اليهودي، والعدو اللدود للقومية، وهو الشرير الذي تبذر أفكاره بذور الاقتتال والحروب الأهلية، وتقوِّض السلم الأهلي، وتُفْسِد الفطرة التي خُلِق عليها الناس، وتناصب كل ملكية خاصة العداء ولو كانت ملكية صحن وملعقة. ولكن، ما أن تأكَّد لهم صلبه، فموته، فدفنه، حتى شغفوا حُبَّاً باليهودي الصهيوني، وبيهود "وول ستريت" والكونغرس.. وحتى زجوا العالم بأسره في حرب الكل ضد الكل، مستثيرين ومؤجِّجين في النفوس كل عصبية تهبط بالإنسان إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، فعرف العالم من الفساد الشامل والعام في رُبْع قرن من الزمان ما لم يعرف له مثيلاً، في الكم والنوع، منذ التاريخ المكتوب.في كتاب "رأس المال"، وفيه فحسب، يمكنك أن ترى الرأسمالية، والرأسمالية اليوم أيضاً، في حقيقتها العلمية، العارية من زخرف الثياب والقول، وأن تُدْرِك، من ثمَّ، أنَّ خير من حلَّل النظام الرأسمالي، وسبر غوره، واكتشف قوانينه الموضوعية، وفهمه فهما عميقاً واسعاً شاملاً، هو كارل ماركس، الذي تظل الرأسمالية في عصره ما ظلَّت على قيد الحياة.لقد تحدَّى هذا الرجل، إذ جعل لفكره جذوراً عميقة في تربة العلم، كل زعماء الفكر الاقتصادي الرأسمالي أن يأتوا بتفسير علمي لـ "الربح الرأسمالي" غير التفسير الذي أتى به، والذي بفضله ظهرت "عدالة الأجر" على أنَّها الظُلم الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي وقد لبس لبوس "العدالة الرأسمالية".قانون "العرض والطلب" نقَّاه ماركس من الخرافة، موضحاً أنَّ هذا القانون، وعلى أهميته، يفسِّر فحسب درجة انحراف السعر عن قيمة البضاعة؛ ولكنه لا يستطيع أبداً أن يفسِّر تلك القيمة ذاتها؛ والدليل على صدق ذلك أنَّ توازن العرض والطلب هو لحظة بيع البضاعة بقيمتها؛ وبيع البضاعة بقيمتها إنَّما هو ذاته بيعها بربحٍ، فإذا كانت قيمة بضاعة ما هي حاصل جَمْع قيم كل البضائع المستهلَكة من أجل إنتاج تلك البضاعة فكيف يمكن، عندئذٍ، بيعها بربح عندما يتوازن العرض والطلب؟!وحتى كتابة هذه السطور لم نسمع إجابة رأسمالية علمية ومُقْنِعة عن هذا السؤال ـ التحدي، الذي انطلق منه ماركس ليؤكِّد أن جوهر الرأسمالية سيظل هو ذاته، وهو السعي لأمرين في آن: "الربح الأقصى" و"التراكم"، أي زيادة تركيز رأس المال.لقد سألوا رب العمل، أي كل رب عمل، "من أين لك هذا؟"، فأجاب وكأنه لسان الحقيقة: "من عصاميتي، فكل ما أملك إنما هو ثمرة جهدي وكدِّي وعملي وعرقي.. وذكائي".ومع ذلك، ظل الواقع يجيب قائلاً: "إنَّ من يعمل لا يملك، وإنَّ من يملك لا يعمل، وإنَّ أكثر الناس ذكاءً هم الفقراء"!
جواد البشيني

السبت، 27 سبتمبر 2008

الفطـــرة

-
يولد الإنسان على الفطرة!!!

حكاية الفطرة هي نوع من الخزعبلات الدينية،
فالدينيين يقدمون افتراضا لا سند له في الواقع، هذا الإفتراض مفاده أن الله يزرع في جسد أو عقل كل إنسان Bios يسمونه فطرة، هذه الفطرة أو البيوس تحمل مبادئ أولية. ويستدلون على ذلك بأمثلة من نوع أن الخروف عندما يولد يتجه مباشرة إلى ثدي والدته ليرضع، ويتساءلون من أخبره بأنه يتوجب عليه أن يتغذى ومن ثدي والدته...؟؟؟ وأكيد الإجابة ستكون هي الفطرة أو الغريزة..
المهم،
التفسير العلمي لا يكتفي بوضع إفتراض واحد، بل يضع كل الإفتراضات الممكنة، وفي هذه الحالة هناك إفتراضان، هناك خرفان إتجهت لثدي والدتها وتغذّت وبالتالي إستمرّت في الحياة، وهناك خرفان لم تتجه وبالتالي إنقرضت.. فالطبيعة إنتخبت من يصلح للبقاء (الإنتخاب الطبيعي، البقاء للأصلح).
وهنا أتسائل: إن كان هناك إله ما، يحترم ذاته كإله، قد قدر على زرع هذا الـ Bios، فلماذا لم يتفطّن إلى وجوب زرع نظام تشغيل أيضا (دين..Dos، Windows)؟؟؟ بل كلّف المزوّد جبرائيل بنقلها إلى كبار التجار (الرّسل) ليرغموا الناس على تثبيتها (إعتناقها) بحدّ السّيف.
ثمّ،
الإنسان هو كائن إجتماعي، يعني هو يعيش في مجتمع، وبالتالي فإن سلوكه سيكون متوافقا مع نواميس هذا المجتمع، لأن سلوكه سيكتسبه من البيئة التي يعيش فيها (الأسرة، الشارع، المدرسة، التلفاز...)، وبما أن هذه البيئة تسبّح بحمد الله فأكيد لن تجده يسبّح بحمد الشيطان.
فهل هناك من قام بتجربة وضع رضيع في غابة مهجورة لمدّة معيّنة ثم رصد سلوكه؟؟؟ فإن كان هذا الرصد قد أفضى إلى نتيجة تفيد بأن هذا الرضيع الذي كبر في الغابة.. أظهر في سلوكه مناشدة للدين.. عندها بإمكاننا أن نجزم بأن الإنسان العادي ينشد الدين في سلوكة. لكن أن نستنتج أن الإنسان العادي يناشد الدين في سلوكه إنطلاقا من تجربة احتضنتها بيئة دينية، فهذا تعسّف على الواقع.
-

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2008

ضد ظلامية العصـــر

ــ
في قهقهة التاريخ المتقدّم عبر الإمكانات المتضاربة، يحتضر عالم بكامله، ويتهيأ للولادة آخر. تتفكك نُظُم من الفكر والإقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بغير عنف، تتصدّى لجديد ينهض في حشرجة الحاضر وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة إنقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها مع الموت على موعد يتأجّل.
إذن، فليدخل الفكر المناضل في صراع يستحث الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبدًا، وهو اليقظ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجأ: يتوثب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق يتّسع لكلّ جديد.
هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعًا نضاليًّا، ويتوق كلّ نشاط ثوري إلى أن يتعقلن في النظرية، فتتأكد، بإلتحام الناشطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثوريًّا، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علميّة.

المهدي عامل (نقد الفكر اليومي).

الأحد، 21 سبتمبر 2008

الحمائم البيض Les Colombes

ــ
العـــــــــركة


حكم الفلاســفة

ــ
ما رأيك في حكم الفلاسفة؟

حكم الفلاسفة!!!
هذه الفكرة تداولها وبشّر بها العديد من المثقفين (مفكرين، شعراء، أدباء، فنانين تشكيليين، مسرحيين،...) كمساهمة منهم في تفعيل حلولٍ قد تجنّب البشرية حماقات الحكام الجهلة.
فحكم الفلاسفة هو حكم الصفوة العاقلة في المجتمع، وهو نقيض لحكم الحثالة المتحكمة في الثروة والفاقدة للحكمة. هذه الفكرة، ولئن تبدو مغرية، فهي تحمل مغالطة، وكنه هذه المغالطة يكمن في تقديم الحاكم وكأنه صاحب السلطة الفعلي. فبنظرة خاطفة على تاريخ المجتمعات نتبيّن أن صاحب السلطة _ وعلى مرّ العصور _ هو الذي يملك ويتحكّم في الثروة (الأسياد في المجتمعات العبودية، الإقطاعيين في المجتمعات الإقطاعية، الرأسماليين في المجتمعات الرأسمالية..)، أما الحاكم فهو موظف إداري من نوع خاص، يقع تكليفه بتشكيل الحكومة.. بالجلوس على هرم السلطة.. ويسقط ويخلفه حاكم آخر ليواصل السهر على حماية أمن وأموال أصحاب السلطة الفعليين.
أكيد، أنه في عديد البلدان وخاصة في ما يُعرف بالعالم الثالث، يكون الحاكم هو ذاته صاحب السلطة، لكن لو كشفنا ملفاته سنجده موظف لدى الشركات الإحتكارية العالمية.. لذلك، فالحاكم حتى وإن كان فيلسوفا، فهو يحكم وفقا لضرورة الإقتصاد وليس بوحي من نزوات فكرية تراوده فيستجيب لها. وهذه الفكرة، أي حكم الفلاسفة، لها رواج أيضا عند رجال الدين، مع فارق بسيط، حيث يغيب حكم الفيلسوف ليحضر : حكم الفقيه، ولاية الفقيه، الحاكم بأمر الله، خليفة رسول الله، المعصوم، التقي، الورع، الزاهد في الدنيا،.. وتاريخنا يشهد لهم كم كانوا أتقياء في دمويتهم.
ــ